السيد محمد الصدر
294
ما وراء الفقه
بقي من كلامنا أنه لا بدّ من التعرض هنا إلى عدة أمور : الأمر الأول : إن هناك سؤالا ملحا حول الاعتقاد بأصول الدين يلتفت إليه الكثيرون يحسن عرضه والجواب عليه . وحاصله : أن الفقهاء قالوا : إن التقليد في أصول الدين ممنوع ، لأنه منهي عنه بصراحة في القرآن الكريم كما في قوله تعالى « 1 » * ( قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْه ِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ) * . وقوله عزّ وجلّ « 2 » * ( وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ ا للهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْه ِ آباءَنا . أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ) * . وقوله « 3 » * ( إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ ) * . وفي آية أخرى « 4 » * ( وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ ) * . وإنما التقليد خاص بفروع الدين ، وما يخص الفتاوى العملية وأما شموله لأصول الدين فلا . بل لا بد لكل فرد أن يكون مجتهدا في الاعتقاد بهذه الأصول . فإن الاجتهاد ضد التقليد ، لأن الفرد إما مجتهد وإما مقلَّد ولا ثالث لهما . فإذا حصل المنع من التقليد تعين الاجتهاد . مع العلم أننا إذا التفتنا إلى الأكثرية الكاثرة في المجتمع من متوسطي الثقافة والعقلية والمتدنين فيها ، يستحيل عليهم عادة أن يدركوا أو يستوعبوا البراهين على أصول الدين لكي يكونوا فيها مجتهدين ومحققين . بل هذا متعذر عند الأغلب بأي من مقدماته وتفاصيله ناهيك عن الجميع . فكيف الحال بمن لا يقرأ ولا يكتب ، ولم يمر على القرآن الكريم ولا السنّة الشريفة ولا المصادر الرئيسية في الدين . ونحوهم بعض النساء العاطلات اللاتي لا يفهم منهن الكلام ولا يعرف لهن حرام .
--> « 1 » المائدة : 5 / 104 . « 2 » البقرة : 2 / 170 . « 3 » الزخرف : 43 / 22 . « 4 » الزخرف : 43 / 23 .